كثيرون يظنون أن الصوت القاسي في داخلهم هو الضمير، غير مدركين أن ذلك الصوت الذي لا يهدأ، ويلوم، ويُقلّل، ويعيد تذكيرنا بأخطائنا مراراً هو في الحقيقة جلد الذات.
فجلد الذات لا يظهر دائماً بصخب، بل يتسلّل أحياناً بهدوء في أفكارنا مثل:
"أنا لست كفؤاً"
"لو كنت أذكى لما حدث هذا"
"غيري أفضل مني دائماً"...
ومع تكرار هذه الرسائل، نبدأ في تصديقها، ليس لأنها صحيحة، بل لأنها تتردد داخلنا بلا توقف.
ما هو جلد الذات؟
إنه نمط نفسي يجعلنا نتعامل مع أنفسنا بقسوة مفرطة، حيث نركّز على الأخطاء، ونضخّمها، ونتجاهل جهودنا ونجاحاتنا، وكأننا لا نستحق الرحمة… حتى من أنفسنا.
غالباً ما يبدأ جلد الذات نتيجة:
-تجارب نقد قاسٍ في الطفولة
-مقارنات مستمرة مع الآخرين
-خوف عميق من الفشل أو الرفض
-اعتقاد داخلي أن القسوة هي الطريق الوحيد للتحسّن.
-لكن الحقيقة المؤلمة: القسوة لا تُصلح، بل تُنهك.
كيف يؤثر جلد الذات علينا؟
مع مرور الوقت، يتحوّل إلى:
-قلق دائم
-انخفاض تقدير الذات
-شعور بالذنب من دون سبب واضح
-فقدان الدافعية والمتعة
-إنهاك نفسي صامت.
وأحياناً، قد تبدو قوياً من الخارج، بينما أنت مستنزف من الداخل.
ومن المهم التمييز بين محاسبة النفس وجلدها:
-محاسبة النفس: ممارسة صحية تساعد على الوعي والتعلّم. فنقول: "هنا أخطأت، ويمكنني أن أتعلم كيف أتصرف بشكل أفضل"
-جلد الذات: سلوك مؤذي يقوّض الثقة بالنفس. فنقول: "أخطأتُ، إذاً أنا فاشل"
تفتح محاسبة النفس أمامنا باب النمو، في حين أن جلد الذات يُضعفنا ويستنزف طاقتنا.
كيف نبدأ بالتصالح مع أنفسنا؟
-انتبه إلى صوتك الداخلي: هل هو داعم أم قاسٍ؟
-ذكّر نفسك بأن الخطأ لا يختصر قيمتك ولا يعرّف من أنت، بل هو جزء طبيعي من التجربة الإنسانية.
-عامل نفسك بالرحمة نفسها التي نمنحها لشخص تحبه.
-دع نفسك تكون إنسانية: تخطئ، تتعلم، تتعثر، لكن لا تتوقف أبداً عن المحاولة.
وفي النهاية، تذكّر: نحن لسنا أخطاءنا، ولا عثراتنا. فالقسوة على الذات لا تصنع قوة، أما اللطف والرحمة تجاهها فهما ما يمنحنا القدرة على الاستمرار.
وإذا شعرت يوماً أن صوت جلد الذات أعلى من قدرتك على مواجهته، فلا تتردّد في طلب الدعم النفسي. فذلك ليس ضعفاً، بل فعل شجاعة والخطوة الأولى نحو التعافي.
بواسطة الدكتورة رهف الخالدي